أبي منصور الماتريدي

16

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الخطبة والخاطب . وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم ، ولا صاحبوا أجلتهم ؛ ليعرفوا حق الخطبة والخاطب ، فانفلت منهم الزلة ، ومن مثلهم هذه ، فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن علمائهم ، فلم ينفر واحد منهم . وكذلك الضحك أيضا يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم ، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء ، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع ، والله أعلم . قال : والمعنى من ترك النبي عليه السلام نهيهم عن الخروج - وجهان : أحدهما : أن يكون الكلام كان محرما وقت الخطبة ؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت . والثاني : يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج ؛ فلم يبلغهم نهيه ، أو لم ينههم ؛ لما علم أنهم لم يسمعوا ، والله أعلم . وفي الخبر أنه عد الذين ثبتوا معه بعد ما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر رجلا ، فقال : « لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي نارا » « 1 » أي : المدينة ، ففي هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين ؛ لأنه - عليه السلام - جمع باثني عشر رجلا ، والله أعلم . وقوله : وَتَرَكُوكَ قائِماً . هذا يدل على [ أن ] الخطبة إنما تكون قائما . وقوله : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ . قال إمام الهدى : ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ، ولكن المعنى من ذلك - والله أعلم - أن الدنيا كلها متجر ، وأن أهلها فيها تجار : إما تجارة الدنيا ، أو تجارة الآخرة ؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة ؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة ، وتجارة الدنيا يكتسب بها منافع الدنيا ، فقال : التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو ، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا ، والله أعلم . وجائز أن يكون معناه كأنه قال : اتقوا الله ؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره ، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا ؛ ألا ترى إلى [ قوله ] : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] ، وقال في

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 34141 ) وعبد بن حميد عن قتادة مرسلا كما في الدر المنثور ( 6 / 332 ) وله شواهد موصولة ومرسلة ، فانظرها في المصدر السابق .